اللغةو الجسد.4
المستوى القيمي
أ/ قيمة الرغبة: مثلما أشرنا إليه آنفا تستحدث الميتافيزيقا في مختلف تجلياتها الخطابية (المعرفة-الأخلاق – السياسة) تعارضا جوهريا بين العقل و الرغبة يمكن أن يتجلى في شكل ثنائيات متناقضة (الروح- الجسد/ الوعي- الجسد) و من ثمة تشكل الرغبة أحد مجالات التحكم السلطوي للغة سواء نظرنا إليها في تجليها الأخلاقي أو في دلالتها النفسية أي تلك المقاومة النفسية التي نبديها خوفا من افتضاح رغباتنا.و لكن إن أردنا الفكاك من سلطوية اللغة فعلينا أن نستجلي قيمة الرغبة في ذاتها بمعزل عن كل الأحكام المسبقة التي تغرفنا فيها اللغة. و إذاك ينبغي النظر إلى الرغبة بمعزل عن كل تقزز و استهجان أخلاقوي فالرغبة المجسدة في العمل الفني تقوم على الإحساس بنشوة الخلق وهذه النشوة تستحضر ما في الإنسان من نشوة مرتبطة بالجسد و هذه اللحظة حسب نيتشة أعمق من أن يختزلها خطاب و يندحر أمامها اللوغوس ؛ إن الإبداع الفني في تعبيريته يتخطي كل إبداع لغوي و يكشف عن الفن قيمة بديلة للغة في شكل تحنطها الميتافيزيقي.فالفن حضور إبداعي مطلق للجسد التائق إلى الحياة وما يتيحه الفن للجسد هو إما نشوة العين والتي تجعلها ترى الأشياء بمنظور مغاير بل و أكثر عمقا وقوة نظر أو نشوة التأثر و الانفعال المرتبطة بالجسد .فإذا كانت اللغة تبعدنا عن العالم فإن النشوة وفق المنظور النيتشوي فإن النشوة هي ما تشدنا إليه إذ النشوة حسب نيتشة تجعلنا نغادر أطر ذواتنا الضيقة للالتحام بالكل الذي يجسمه العالم , بل و يمضي أبعد من ذلك بتأكيد كونية النشوة باعتبارها تلك اللحظة التي يتحول فيها الإنسان إلى عمل فني إذ يقول نيتشة في كتابه "مولد التراجيديا" :"إن الإنسان لم يعد فنانا , إنه هو ذاته عمل فني ؛ إن الطاقة الفنية للطبيعة بأسرها تتجلى من خلال قشعريرة النشوة و لأجل الإفتتان الأعلى للكل الأصيل ." . إن هذا الكل الأصيل الذي يحل بديلا "للكل المتوحد " أي اللوغوس هو قيمة الحياة كقيمة بديلة لقيمة العقل إذ أن الفن المرتبط بالنشوة الجسدية هو البديل الأرقى لمغالطات العقل و أساليب تمويهه و الكل الأصيل الذي يمكن أن يعبر عنه الجسد من خلال الفن هو الحياة ؛ ولا ينبغي أن نسقط نظرتنا الواعية لفكرة فردية الذات على الجسد , الجسد بالنسبة إلي نيتشة "كلية عضوية" أي عبارة عن تآلف مجموع القوى الحيوية وهو بذلك يختزل في ثناياه ما في الحياة من طاقة و من ديناميكية تعجز الدلالات الجدباء للغة عن تملكها ولذلك تميل إلى نظام العقل بدل فوضوية النشوة. إن الجسد ليس خلوا من المعنى كما تبادر إلى الأذهان بل يمكن له أن يكون الأداة المثلى لاستحضار المعنى المباشر , المعنى الحدسي , المعني العميق , المتحدد بديلا للمعنى الذهني الذي تستحضره اللغة , إن الجسد نص حركي لا نستطيع استنفاذ معانيه من خلال التأويل بل يعبر عما في المعنى من غنى و خصوبة لامتناهية فكل فعل جسدي يحمل في ذاته معنى ؛ غير أن الميتافيزيقا أبعدتنا عن لغة الجسد على نحو أصبحت فيه كل معانيه ضبابية لأننا نسكن اللغة و ندرك من خلالها . إن العودة إلى الجسد هي محاولة الإنصات إلى الجسد المقموع , الذي تم إخراسه من خلال الكبت فكيف يصبح الجسد حقلا تعبيريا عن المكبوت فينا ؟
المستوى النفسي: الجسد و معاودة المكبوت
- إن المكبوت باعتباره جملة الرغبات المحظورة التي قد تم إخفاؤها و حجبها,يعكس جملة من الحقائق النفسية التي توجب النظر إليها بأعين متبصرة : لم يعد بالإمكان الحديث عن وحدة المعني بل أصبح مزدوجا أي معني ظاهر يكون محصلة الخطاب الواعي و يكون فعلا معبرا من ناحية عن اختراق سلطوي خارجي يعبر عن ذاته من خلال الكبت الحاضر من خلال ثنائية ( المسموح- الممنوع) باعتبار حضور ضوابط أخلاقية تجعلنا نبيت نوايانا بل و نقاوم كل افتضاح من خلال اللغة لدوافعنا الدفينة ؛ إن هذه المقاومة النفسية تبين عن وجود عالم داخلي مستتر توجب اكتشافه ورفعه من مستوى الباطن إلى مستوي الظاهر وهذا هو بالضبط مطلب التأويل النفسي للإنسان ؛ ولكن هذا القول بحاجة إلى إثباتات تجريبية تؤكده و تجعلنا نتحقق من صدقه وبذلك يجدر بنا التساؤل : كيف يكون الجسد مجالا لتجلي المكبوتات ؟ أي معنى لتأويل الجسد؟
أ/رمزية الحلم : قد ينطوي الأمر على نوع من المفارقة باعتبار أن الحلم قد يبدو للبعض قائما على تفاعلات نفسية يبدو فيها الجسد سندا غير مباشر , على نحو يبدو فيه الحلم بعيدا عن الجسد باعتباره تفاعلات حرة للخيال و إن كان في دلالته النفسية يتخذ وظيفة التنفيس الخيالي عن رغبات تم كبتها ؛ ولكن تأويل الحلم ينطوي على اكتشافات مذهلة : التأويل يقوم على استخراج مضمون فكري "الأفكار الخفية" إنطلاقا من تحويل لغة الحلم في رمزيتها إلى اللغة المعيشة الواعية , يتعلق الأمر إذن بنوع من الترجمة يقوم بها التأويل النفسي للحلم ولكن هذه الترجمة تستكشف لغة أصلية فنلاحظ ضربا من التشابه بين لغة الحلم واللغات الأولى للإنسانية فليس هناك على سبيل المثال نفي في لفة الحلم و إنما يعبر النفي عن ذاته عبر الصور المتناقضة بل إن فهم الحلم يفترض التعامل مع لغته لا كلغة متكلمة بل لغة مكتوبة تتماثل مع الكتابة التصويرية القديمة "الهيروغليفية –اللغة الفرعونية القديمة" فالشكل التعبيري الذي يتخذه الحلم هو الصور الحسية وليست الكلمات وهذه الصور الحسية إنما تعبر بطريقة رمزية عن مضمون جنسي أو تشير بطريقة إيحائية إلى الأعضاء الجنسية وبذلك يكون الجسد في حضوره الرمزي عبر الحلم السند و المرجع المباشر للحلم ذاته باعتبار أن الصور الحسية منبعها الجسد , من ناحية أولى ؛ ومن ناحية ثانية, يكون الحلم تعبيرا رمزيا عن كل التفاعلات المختزنة في الجسد . إذن يمكن أن نخلص إلى النتيجة التالية: الحلم هو لغة الجسد.
ب/الأفعال الاعتيادية: لا يقتصر التصريح باللاوعي على المستوي الرمزي- التصويري الموجود في الحلم بل يرتبط وثيق الارتباط بالتجلى الحركي لللاوعي فالأفعال الإعتيادية هي تلك الأفعال التي تستعاد بنفس الطريقة و بنفس الشاكلة ولكنها لا تتخذ أي مضمون واع بل وغالبا ما يكون فعلا –مضادا للإرادة " عدم القدرة على الامتناع عن قضم الأظافر مثلا" أو أن يترجم حالات وسواس قهري " الخوف المرضي من العدوى عبر الغسل المبالغ فيه لليدين" إلى غير ذلك من الأفعال التي يعجز المقام عن استيفائها فتترجم بذلك أفعال الجسد عن معاني اللاوعي في حين تسعى اللغة إلي إخفاء تلك الدلالات اللاواعية.
الفعالية التحررية للجسد
- إننا نستطيع أن نمضي بالقول في تجليات اللاوعي أبعد من ذلك إذ يقول ميرلوبنتى في كتابه"فينومينولوجيا الإدراك" مفسرا التصور الفرويدي: " إذا ما كان التاريخ الجنسي للإنسان يعطينا مفتاح حياته , فلأن سلوكه الجنسي يخط كيفية وجوده إزاء العالم ,ويعني ذلك إزاء الزمن و إزاء غيره من البشر ....إن التحليل النفسي يمثل مفهوما مزدوجا للفكر : فمن ناحية يؤكد على الجنس كبنية تحتية للحياة ؛ومن ناحية ثانية إنه يضخم مفهوم الجنسانية sexualité ليدمج فيها كل المعيش ." . ولكن ما نستخلصه هو أن الجسد يعبر عن معاني عميقة تعجز اللغة عن البوح بها وبالتالي نقوض الزعم السائد بعدم فاعلية الجسد, بل وتتحول الدلالات فتصبح الميتافيزيقا و اللغة مظهرا في حين يصبح الجسد شيئا في ذاته. إن الجسد مقوض للأوهام وكاشف للحقائق ومعاودته كأساس دلالي هو السبيل الأمثل للتحرر الذي يمكن أن نبلوره في مستويات
أ/التحرر المعرفي : إن أبرز مظاهر التحرر هو الإنعتاق من صنم الحقيقة ذاته أي كشئ يطلب لذاته و لو اقتضى الأمر إدانة و استهجان الحياة ؛ هذه الحقيقة التي تراد في إطلاقها و ثبوتها والتي ينبغي أن تفسح المجال لحقيقة الوجود ذاته وهي الحياة.أن تكون المعرفة لصالح الحياة : هذا ما سعي سبينوزا إلى إرسائه وتأكيده من خلال استحداث توازي بين النفس و الجسد إذ أن الانفتاح على مستطاع الجسد هو السبيل الأمثل للتخلص من الأوهام و المغالطات الميتافيزيقية والكشف عن المعاني الحقيقية للوجود الإنساني؛ إن منح الجسد فسحة التعبير يؤدي إلى النظر بشكل آخر للعقل ,التصالح مع الجسد , هذا هو شعار العقل الذي يريد سبينوزا إرساءه أي العقل المدرك للضرورات وبالتالي للمعاني الحقة للحرية.
ب/التحرر القيمي : - خارج نطاق الجدية المزعومة للغة و للعقل يمكن للفن بما فيه من لعب ولهو أن يخترق أطر الضوابط الميتافيزيقية و الانتظام الأخلاقي ليعبر عن جسد مهوس مفتتن بالحياة كقيمة قصوي و مطلقة بل ويؤسس لكتابة مبتعدة عن نظامية العقل من خلال زعزعة كل الثوابت إذ يقول نيتشة في كتابه "إنسان مفرط في إنسانيته" :"هنا ك بعض الكتاب الذين يثيرون, بمعرفتهم كيف يعبرون عن المستحيل بظواهر الممكن و كيف يتحدثون ن الأخلاق وعن العبقرية كما لو أن هذه وتلك ليستا سوى نزوة وهوى عابر, يثيرون إحساسا بفيض من الحرية كإحساس الإنسان الذي حقق أهدافه واستسلم ,في خضم اندفاع فرحته الداخلية ,للرقص .". إن هذا القول يعلن أن الكشف عن تعبيرية الجسد و التوق إلى متعة الرقص يحرر اللغة ذاتها من أشكال التملك النظري الميتافيزيقي من خلال الكتابة الإبداعية الشعرية المجسدة للا تناهي الخيال و المعبرة عن حدس المعنى إنها كتابة تتحرر من وهم الدلالات المسبقة الثابتة وتعيد إنشاء اللغة و العالم من خلال الإبداع .إن العودة إلى وقائع التحام الجسد بالعالم هو الذي يجعل الكتابة تجلى و تصرح و تثير ولا يجعلها تخفي وتحجب .إن اللغة ليست إلا تأويلا للحياة, حتى تلك اللغة التي تقنعنا بسلبية الحياة و بالتالي إن الإنصات للجسد يصبح شرط تحرير اللغة ذاتها من المغالطة و الإخفاء. عن ما يمكن أن يقوله الجسد هو أن الإنسان قد كبل و دجن بواسطة اللغة ومن خلال ,لقد تفننت الخطابات الميتافيزيقية في إضعافه على نحو أصبح فيه "الإنسان مريض الإنسان , المريض بداء ذاته, نتيجة قفزة وسقطة في الآن ذاته,نتيجة إعلان الحرب على الغرائز القديمة,تلك الغرائز التي كانت تجعله قويا فرحا و مرهوب الجانب ." "نيتشة:جينيالوجيا الأخلاق" وبذلك تكون العودة إلى ما يقوله الجسد شرط تجاوز ضعف الإنسان و تأسيس نموذج جديد هو نموذج الإنسان الأعلى أي ذلك الإنسان الذي يكون جسدا و لاشيء آخر سوي جسد.
ج/التحرر النفسي : على الصعيد النفسي يمثل تملك لغة الجسد والقدرة على استنطاق تجليات اللاوعي من خلال شرط إدراك الإنسان للضرورات النفسية التي تحكمه و بالتالي شرط التحرر العلاجي من هذه العقد و المكبوتات و تحصيل توازن نفسي يضمن له التوافق مع معطيات الحضارة و المجتمع ؛ إن السبيل الأمثل هو مساحة اللاوعي عبر إدراكه وتطويعه فالمرض النفسي هو أن يبقي الإنسان سجين "كينونة مغلقة" أي سجين مرحلة من مراحل الطفولة وبالتالي إن الانفتاح على اللاوعي من خلال الإنصات إلى إيحائية الجسد تمثل شرط تجاوز الإنسان لعقده ومكبوتاته وشرط نموه النفسي .
السابق-التالي