اللغةو الجسد.3
المغالطة المعرفية للغة
- انطلاقا من هذه الدلالات ذاتها يجد الفعل المرتاب في اللغة شرطا لإمكانه و هذا الارتياب سيطال اللغة و العقل على حد السواء و لعل أوكد الأسئلة طرحا : إلى أي مدى تخبر اللغة عن حقيقة الأشياء ؟ لقد إعتقد أفلاطون في محاوراته أنه يحدد ماهيات الأشياء و يقول حقيقتها من خلال تحديد معانيها " ماالحب ؟ ما الجمال ؟ ماالعدالة؟ ما الخير؟..." فكان سؤال الماهية هذا سؤالا يعرض عن الجميل كواقع أو موجود للبحث عن الجمال في ذاته و الخير في ذاته و الأشياء في ذاتها على نحو حلت فيه المعقولات محل الموجودات و الصور الذهنية محل الأشياء الواقعية بل و أضحى المعقول موجودا أما الموجود فقد ارتد زيفا ووهما وظلا ؛ لقد كانت لحظة نشأة الخطاب النظري تلك اللحظة التي حلت فيه المعاني محل الأشياء ولعل ذلك ما جعل نيتشة يقول في كتابه " إنسان مفرط في إنسانيته" :"تكمن أهمية اللغة في تطور الحضارة في كون الإنسان قد وضع فيها, إلى جانب العالم الآخر , عالما خاصا به , مكانا كان يعتبره متينا كفاية ليستند عليه كي يغيظ العالم و يسيطر عليه . إن الإنسان باعتقاده, و خلال حقب طويلة ,في تصورات الأشياء و أسمائها كما في الكثير من الحقائق الخالدة , قد خص نفسه فعلا بهذا الكبرياء الذي به كان يسمو فوق الحيوان: كان يتخيل أنه باللغة يمتلك معرفة العالم بالفعل." ووفق هذا القول تصبح الحقيقة ذاتها خطأ لأن قوامها الوهم و الخطأ حسب نيتشة إذ أن الخطأ متولد عن اعتبار أن فعالية التسمية هي ذاتها فعالية المعرفة إذ يقول نيتشة في المصدر ذاته :"لم يكن فنان الكلمة متواضعا كفاية كي يؤمن بأن ما يفعله ليس سوى تسمية الأشياء,كان على العكس من ذلك, يتصور أنه بتلك الكلمات يعبر عن المعرفة السامية بالأشياء ." . إن هذا الموقف لا ينظر إلى الحقيقة كقيمة في ذاتها , يمكن من خلالها أن نحكم على الأشياء, بل ينظر إليها من منطلق كونها عرضا حيويا يعكس معيشا أي أن أسلوب حياة فلا يكترث نيتشة لإدعاءات الفيلسوف النظري بتنزه الحقيقة من كل نفع و برغماتية بل ينظر إليها كغريزة المغالطة و الخداع باعتبارها تعبر عما هو إرتكاسي في الإنسان, هكذا يحاصر التأويل الفيلسوف ذاته : فإن كان الفيلسوف يريد الحقيقة فإن نيتشة يتساءل :"ماذا يريد هذا الذي يريد الحقيقة " فيعبر من خلال تحليله لشخصية سقراط في كتابه "أفول الأصنام" فما يرفضه في نموذج الفيلسوف النظري الذي يعبر عنه سقراط هو استهجانه للحياة لقد قال سقراط حين احتضاره " أن نحيا هو ان نكون دوما مرضى" إذن فالفيلسوف الممجد للحقيقة هو ذاك الذي يستعيض عن ضعفه الجسدي بقوة زائفة هي قوة خطابه.إذن يبرز مشكل لغة الميتافيزيقا حسب نيتشة , وهي ما به تصبح ضربا من المغالطة,في أنها عوض أن توظف الفكرة لصالح الحياة أصبحنا نحكم على الحياة من منطلق الفكرة وبما أنها تنطلق من واقعة تمجيد العقل فإن اللغة بما هي الوجه المجسد له تصبح الوسيلة المثلى لبث هذه المغالطات الميتافيزيقية .
- لا يمثل نيتشة إلا أحد أوجه الارتياب في اللغة و الحقيقة على حد سواء أو بصورة أدق الحقيقة التي تتيحها اللغة لا يمكن إلا أن تنطوي على ضرب من المغالطة لأن اللغة تعرضها كشيء منزه و رفيع في حين أنها وليدة متطلبات عملية ولعل ما جعل برغسون يقر في كتابه "التطور الخالق" :"إن العقل لما كان مشغولا بمتطلبات العمل فإنه يكتفي بإتخاذ مناظر فورية ثابتة." فالعقل يعرض عما في الأشياء من ديمومة التحول و التغير و الصيرورة و لذلك لا يمكن للأسماء أن تقول حقيقة الأشياء بل هي مجرد"بطاقات ملصقة على الأشياء.". إذن بضرب من المفارقة تصبح اللغة التي تقول الحقيقة تخفيها عن ناظرينا أكثر مما تجليها.
المغالطة القيمية للغة
-إن هذا الإخفاء الذي تمارسه اللغة سوف لن يبقي حكرا على المستوى المعرفي بل سينعكس حتما و وجوبا على المستوى القيمى و الرابط بيَِن بين المستويين واضح إذ أن شاكلة تمثل الإنسان للأشياء سيحدد حتما شاكلة حكمه عليها فالقيمة في عموم دلالتها هي المعيار المثمن لفعل ما أو لسلوك ما .و إذاك ستكون اللغة مجالا لتشريع القيم و بثها.ولكي يحمل قولنا على مقاصده توجب علينا أن نبين دلالة المغالطة القيمية : إن المغالطة هي الإيقاع المقصود في الخطأ عبر ستر و إخفاء الحقيقة أما المغالطة في دلالتها القيمية فهي اتخاذ القيم سبيلا لتحقيق ما يغاير المنشود منها أصلا أي الحرية لتبرير الاستعباد و السعادة لتبرير الألم و الشقاء مما يجعل من اللغة سبيلا للإقناع بالوهم إذ أن الوهم هو الرغبة المعبرة عن نفسها في شكل فكرة و لعل تاريخ الخطابات الميتافيزيقية يبرز هذا الازدواج الماثل في القيم الميتافيزيقية . نقر ذلك من منطلق إيتيقي مع سبينوزا حيث بين كيف أن الخطابات الميتافيزيقية خطابات مموهة تنهك في الإنسان قوة استمراره في الوجود أي أنها تظهر خلاف ما تضمر و تغرقه في الأوهام فاللغة المتداولة حسب سبينوزا هي نتاج المخيلة لا نتاج العقل و إن الخطابات الميتافيزيقية ليست حكرا على مجال دون آخر بل نكاد نجزم ان اللغة أضحت حيزا ميتافيزيقيا وفي هذا السياق يقول سبينوزا في كتابه "الإيتيقا": "إن جميع المفاهيم التي تعودت العامة على استعمالها ...هي مجرد ضروب من الخيال ,و إنها لا تطلعنا على طبيعة أي شيء ما عدى على بنية المخيلة ؛ و ما دامت لهذه المفاهيم أسماء تنطبق, حسب ما يبدو , على موجودات حالة خارج المخيلة , فإني أسميها موجودات خيالية , لا عقلية." و من ثمة تكون اللغة الاداة المثلى لبث الأوهام و الأساطير المطوعة للبشر والمفضية إلى توفق آليات استعبادهم.
- يمكن أن نمضي إلى ما هو أبعد من الخطابات, إلى الكلمات التي تبدو لنا سلسة و طيعة و منقادة بحيث نحسب أننا نستطيع تملكها و التعبير عن مقاصدنا فتنمي فينا الإحساس بالذاتية و بالفاعلية؛ أثبتت الدراسات اللسانية المعاصرة أن ما نعتقده من تملك للغة إنما هو وهم ومحض سراب باعتبار أن اللغة "نظام لايعرف غير قانونه الخاص به" على حد عبارة دي سوسير و أن هذا النظام الماثل في اللسان إنما هو "تصنيف و إرغام "كما أكد ذلك رولان بارط و أن "كل لغة تتعين اكثر ما تتعين لا بما تخول قوله بل بما ترغم على قوله ." باعتبار أن اللسان مؤسسة إجتماعية محددة سلفا و الفرد ملتزم بقوانينها وبذلك يمكن أن نستنتج أن اللغة توهم الإنسان بالحرية و تخفي واقع حضور السلطة .هذه السلطة التي اعتبرها فوكو مبثوثة و حاضرة في كل الانظمة الخطابية في ظل تحالف السلطوي و المعرفي و عجز الفرد أن يكو ن خارج نطاق المتاح المعرفي المقنن مؤسساتيا وإن هذا التطويع الذي تقوم به اللغة إنما يستهدف أساسا الجسد باعتباره ما يتوجب التحكم فيه لكي يكون"منتجا و مفيدا في آن معا" فلا يتعلق الأمر بالميتافيزيقا وحدها بل بكل الخطابات التي تتخذ من الجسد محور اهتمام كالعلوم الإنسانية مثلا .
الإخفاء النفسي
- إن الحديث عن اللغة و السلطة أو اللغة بوصفها سلطة يستوجب الحديث عن تقنيات الكبت بعد أن تطرقنا إلى مظاهر التحكم الماثلة في اللغة؛ و الكبت في عموم دلالته هو واقعة الإعتراض على الرغبة أو هو تلك الممانعة الكاشفة حضور سلطة أو ضغط خارجيا كان أو داخليا ؛ وفي دلالته النفسية هو تقنية الإخفاء و الحجب و الستر للرغبات لعدم توافقها مع متطلبات العيش الجماعي أو سلطة العالم الخارجي التي نستبطنها من خلال سلطة داخلية تتمثل في منظومة الرقابة الداخلية الأخلاقية المسماة "بالأنا الأعلى " غير أن السؤال المطروح هو: كيف يمكن من خلال تناولنا للغة أن يكون هذا التناول دالا كاشفا على وجود الكبت؟.
- ترتبط اللغة بنسق العملية الإدراكية الواعية و بذلك تمثل الجانب الواعي في الإنسان وإن ما يقع خارج نطاق و دائرة الوعي هو ما نسميه باللاوعي الذي يعرفه فرويد :"رفض قطعي لبعض الإنطباعات على مستوي الشعور." و هذا الرفض مرتبط بتوق الأنا إلى التوافق مع العالم الخارجي ومن ثمة لا يمكن للغة أن تدعي القدرة على نقل الحقيقة النفسية للإنسان بل تترك فراغات مابين كلماتها يكشف عما تم إخفاؤه من خلال عملية تأويل قادرة على إجلاء الكوامن اللاواعية لكل خطاب واعي فتصبح اللغة تقنية حجب أكثر منها تقنية تصريح .إن اللغة تجربة نسيان , تجربة تغافل عن اللاوعي , إذا ما تناولناها كمقوم حضاري ؛ فهي من ناحية أولى, بما تضطلع به من دور تواصلي تكون وسيلة تمثل وإدراك الفرد للإكراهات والضغوط الخارجية و من ثمة تسهم في بلورة شخصيته , ومن ناحية ثانية ,تكون فعالية الكلام التي يقوم بها الأنا فعالية "رياء دبلوماسي " فلا يعبر الكلام إلا عن "مقاومة نفسية" نبديها خوفا من افتضاح دوافعنا اللاشعورية هذه المقاومة التي نبديها و التي يكون فيها الكلام سلاح المغالطة الأمثل تمثل مؤشرا لمعرفة واقعة الكبت في حين يكون الكبت ذاته شرطا لوجود هذه المقاومة ؛ من ناحية ثالثة وأخيرة تكون اللغة شرط تعويض خيالي عن تلك الرغبات الواقعية عبر ما تتيحه اللغة من آليات الإعلاء و التصعيد.
تعبيرية الجسد
- فكرة ربط: من مفارقات الأمور أن خطابنا هذا هو خطاب يتوسل اللغة لإدانة اللغة و الكشف عن ثغراتها و نقائصها و لكن قولنا هذا قول قد نفض عنه أوهامها و كف عن الإمتثال لها او بصورة أدق قد حدد لنفسه موقعا خارج دائرة التوظيف الميتافيزيقي أي خارج مطلب تمجيد العقل و الحقيقة و بذلك يمكن له أن يمضي في الكتابة إلى ما هو أبعد من العقل: إلى الحياة التي أنشأته و جعلته ممكنا و إلى ما هو أبعد من اللغة : إلى الحضور الرامز للحياة أي الجسد فماذا يمكن لهذا الصاخب في صمته أن يقول ؟ هل من إمكان للاستماع إلى لغته المقموعة ؟ .في هذا الآن تكف الكلمات أن تكون و يصبح كل شيء تأويلا "الكلمات ليست إلا تأويلات و هي قبل ان تصبح علامات تكون قد قامت, خلال تاريخها , بتأويلات." كما أكد ذلك فوكو في تفسيره لجينيالوجيا نيتشة .هكذا قادنا تأويلنا للغة إلى ما أبعد من اللغة: الجسد.
المستوى المعرفي
-إذا ما كانت الميتافيزيقا تصر و تتعنت في إلغاء فعالية الجسد و إذا ما كانت اللغة السبيل الأمثل الذي يتيح لها اختزال الموجود في المجرد و الاستعاضة عن الواقع بالماهية مما يجعل الحقائق التي تقرها الميتافيزيقا تحيل على الشكل المحنط الجامد من الحياة . فلا يتوجب النظر إليها إلا كتجسيد "لنموذج حياة منحط مريض و خائر القوى." على حد العبارة النيتشوية و بالتالي إن ما ينبغي البحث عنه هو منظورية الجسد للموجودات. فأي حقيقة يمكن أن يقولها الجسد ؟إن الحقيقةALETHEIA تعني الانكشاف و التجلي و لا تحجب معنى الوجود؛ و إذا ما اعتمدنا الجسد منطلقا للنظر يصبح معني الوجود أي حقيقته تكمن في القيمة إذ القيمة هي الحكم المعياري و بالتالي و بالتالي تصبح كل التصورات و النظريات و الخطابات " تقييمات للحياة" و هذه التقييمات ليست ثابتة بل متحولة متغيرة حسب وضعية الجسد و حالاته و من ثمة يمكن الاستناد على منظورية الجسد لتقييم كل شيء و كل شيء يصبح عرضا من أعراض الحياة . و اللغة ذاتها تصبح عرضا حياتيا أملته حاجة الإنسان إلى التواصل؛ تشكل اللغة إذا ضرورة حيوية.إن منظورية الجسد هي ذاتها منظورية الحياة و الحياة ذاتها فعل جسدي و إذاك يصبح الجسد منظورية أصلية تولدت عنها منظورية اللغة :"إنه جسدك وعقله الكبير لا يقول أنا بل يكون أنا من خلال الفعل.".
- سواء اتخذنا معيار القيمة معيارا بديلا لمعيار الحقيقة أو حافظنا على معيار الحقيقة فلم يعد من الممكن الاستمرار في تجاهل الجسد : فعلى الصعيد المعرفي شكلت استعادة العالم كوحدة مدمجة لا أثر فيها للتمايز بين عالم المظاهر و الأشياء في ذاتها إلى تقويض كل أشكال تجاهل فعالية الجسد المعرفية ومن ثمة يصبح الجسد شرط إدراك العالم باعتبار أن "الذات لا تعيش في عالم من حالات الوعي و التمثل التي تعتقد أن لها بضرب من المعجزة أن تعرف الأشياء أو تؤثر فيها." كما أكد ذلك ميرلوبنتى في كتابه "فينومينولوجيا الإدراك".
- ما كانت تخفيه اللغة في تجليها الميتافيزيقي هو الفعالية المعرفية للجسد في حين أن المعرفة في تجليها العلمي المعاصر تجعل من التجربة الإدراكية قائمة على تعاضد التجربة و العقل و لعل عالم الانطباعات الحسية هو المؤشر الأول و القرينة الأولى لأي معرفة ممكنة ؛ إن مبدأ الملاحظة في المنهج الاستقرائي يجعل من عملية تجميع المعطيات الحسية حول العالم , التي يضطلع بها الجسد العملية الأولية التي تؤسس كل معرفة ممكنة . (السابق)- (التالي)