اللغة و الجسد.2
الإنجاز
المقدمة
التمهيد: يمكن تحديد مبررات طرح الإشكالية حسب الإمكانات التالية:
*إمكانية أولى: لعل أبرز انطباع يمكن أن يرسخ فينا هو النظر إلى تاريخ الإنسانية كتاريخ إخفاقات متواصلة , ولا ريب أن هذا الإقرار يبدو سلبيا بصورة مطلقة بل يمكن أن نعتبره حكما مسبقا لا يخلو من سوء النية , من حيث أنه يحدد الفشل الذر يع أفقا مستديما للفعل الإنساني ؛ غير أن النظرة المتبصرة , المقلعة عن الأوهام و الآمال الزائفة, تجد في هذا الإقرار ضربا من الوجاهة الممكنة باعتبار أن الإخفاق يتأكد من خلال معاينة الهوة الفاصلة بين الموجود و المنشود, فما تخير الإنسان دربا لبلوغ غاية إلا و كان ما يعاكس الغاية هو المتحقق و يزداد الأمر كارثية إذا ما تعلق الأمر بالقيم كالحرية والسعادة مما قد يفضي إلى تظنن في صدقها و واقعيتها بل ويجعلنا نعود إلى منشأها اللغوي عسى أن نكشف عن دلالاتها الأصيلة بل وقد نمضي إلى ما أبعد , إلى أصلها , إلى اللغة , و التساؤل عن إن كانت فعلا أداة كشف عن الحقيقة أم أنها أداة تزويق و تمويه و مغالطة ,ولا ريب أن الارتياب في اللغة يقتضى البحث عن شاهد على مغالطاتها ولعل تعبيرية الجسد هي ما نريد استنطاقه علنا نستطيع فضح أساليب خداعها و في الآن ذاته آليات مبارحة سلطويتها.
*إمكانية ثانية: لا يملك الإنسان حين يعاين واقعه إلا أن يشهد ضروب الإلزامات القامعة التي تخنق فيه كل توق للحرية , وتضاف إلى سوداوية هذه الصورة القاتمة , عجزه عن التعبير عما يخالجه من إحساسات و مشاعر تجيش في صدره على نحو تنشأ فيه اللغة صورة منمقة لواقع الكبت هذا بمحاصرته بقيم الدونية والذنب الماثلة في قيمها, و يزيد الأمر التباسا في ذهنه حين يعاين مقاومة يبديها جسده لكبت تشرعه اللغة مما يفضي إلى تأرجحه بين الاحتكام إلى الإلزامات القيمية الماثلة في اللغة و بين ممانعة تعبيرية قصوى يبديها الجسد.
الإشكالية : كيف لنا أن نحكم على اللغة ؟ ألا يصح اعتبارها أداة إخفاء و تمويه ؟ هل يمكن للجسد أن يخترق آليات الحضر التي تمارسها اللغة على الإنسان ؟ فيم تتمثل تعبيرية الجسد؟ وكيف تكون هذه التعبيرية مسلكا للتحرر؟
السؤال التقييمي: إلى أي مدى يمكن أن نقر بتعارض تعبيرية اللغة و تعبيرية الجسد ؟ ألا يؤدى الإقرار بتعارضهما إلى الاستمرار في الفهم الأحادي للإنسان ؟
التحليل
-لا نملك في بداية قولنا إلا أن نحدد للتفكير وجهة ومقصدا يحدونا عزم التفكير الجاد في مشكل (إدراج المشكل) مغالطات اللغة انطلاقا من التساؤل حول (إدراج الإشكالية) مبررات التعارض بين منطق اللغة و منطق الجسد؛ و لعل صيغة الموضوع تدعونا ضمنا إلى تبين مقومات الحل الفلسفي الآتي: (إدراج الأطروحة) التأكيد على أن الجسد منظومة تعبيرية أصلية تقوض كل آليات الإخفاء و التمويه و طمس الحقائق التي تمارسها اللغة لإخضاع الإنسان لرقابتها و سلطتها.وسنقترح لتبين وجاهة هذه الأطروحة الخطوات الحجاجية الآتية : إذ سننطلق بدءا من الكشف عن مبررات اعتبار اللغة أداة إخفاء و تمويه ثم نحاول استنطاق مدلولات تعبيرية الجسد لنتبين أخيرا فعاليته التحررية.
اللغة كأداة إخفاء
تحديد مفهومي
الإخفاء
- قد تبدو الدلالة اللغوية لمفهوم الإخفاء واضحة جلية لا تحتاج إلى كبير اجتهاد لتحديدها باعتبار أن الإخفاء هو تلك العملية التي نجعل بها ما كان جليا وواضحا شيئا مضمرا و مطمورا, فالإخفاء يعنى الحجب و الستر؛ ولكن الإخفاء يتعدي مجرد هذه الدلالة اللغوية البسيطة ليكون إقرارا أو استنتاجا نبلغه حين نشارف نهاية عملية تأويلية قائمة على سبر الدواخل و الأعماق فالتأويل هو ممايزة بين سطح وعمق و هو ضرب من الحركة الانقلابية التي قد تعرض عما نهتم به أو نراه وتهتم بما كنا نعرض عنه ونتجاهله فتجعله جليا و تجعل ما كنا نراه شيئا عقيما أو غير ذي جدوى مقارنة بخصوبة معاني ما تم إخفاؤه ؛ هكذا أخبرنا ماركس أن مادية الواقع و جدله أكثر عمقا و خصوبة من كل البني الفوقية و الخطابات النظرية التي نتبجح(نفتخر)بها و أعلن نيتشة أن كل ما نعتقده فينا من حكمة ليس شيئا يذكر مقارنة ب"الحكمة الكلية العضوية التي للجسد"وكشف فرويد أن الوعي مجرد قشرة خارجية شديدة الرهافة تحجب عنا اللاوعي .
اللغة
- (يتبع) وبالتالي لايمكن للتأويل إلا أن يستهدف الخطاب , إذ الخطاب هو الشكل المنسق و المحفوظ من الكلام أو هو الكلام في شكله المكتوب و قد اتخذ شكل معقولية ما؛ إن تأويل الخطاب لا يمكن إلا أن يمثل لحظة تظنن فعلية فيه باعتبار أن أننا سنرتاب في المقاصد المعلنة و نبحث عن النوايا المبيتة والمضمرة خلف المقاصد المعلنة و لعل هذا التأويل يمضي إلى ما هو أبعد من الخطاب , إلى اللغة التي جعلته ممكنا. فأي مفهوم للغة توجب الارتياب فيه ؟ إنها اللغة في شكلها اللوغوسي أي اللغة التي تمثل الوجه المجسد للعقل أو اللغة باعتبارها لوغوسا فاللغة اليونانية تستحدث هوية و تطابقا بين مفهوم العقل و مفهوم الخطاب , هذا اللوغوس الذي كف عن كليته اليونانية ليتجسد في ذات –فرد فيصبح ميزة الإنسان فيستعيد الهوية الأصلية إذ يصبح الإنسان ككائن عاقل هو ذاته الكائن الناطق وتصبح اللغة ميزة الإنسان باعتبارها تجسيدا لملكة الوعي فيه أو تكريسا لفعالية الذات و قدراتها .هذا ما جعل اللغة منظومة من الرموز تعبر فعلا عن حقيقة الأشياء إذ أن الضمانة المعرفية تتولد عن معقولية اللغة باعتبار مطابقتها العقل ؛ و هذا ما جعل اللغة ذاتها عالما رمزيا يغني عن العالم الواقعي أو منظومة من الأسماء تقول حقيقة الأشياء وفي مقابل ذلك كان الجسد أرضا جدباء , صحراء قاحلة , مكانا قفرا لا يمكن أن يغرس على أرضه أي معنى. (السابق)-( التالي)